أبو سعيد بن نشوان الحميري
مقدمة 38
الحور العين
قالوا لأن إرسال المرسل إلى من علم أنه يعصيه ويمثّل برسله ، دليل عندهم على عيب المرسل وجهله . وما فعلت الأطبّاء في تدبير الطبائع ، وكم للضرر من شار وبائع ؟ وما فعلت الفلكيّة في تدبير الفلك ، وسلوك سبيل الغىّ فيمن سلك . وما فعل الحرانيّون عبدة النجوم ، وأصحاب الظّنّ والهجوم ، في تدبير البروج والأملاك ، على قدر نزولها في الأفلاك ، وقضائها في الخيرات والشّرور ، على التوالي والمرور ، وليس في التنجيم ، غير ترجيم ، ولا عند الكواكب ، نفع لواكن ولا واكب . وما فعلت السّوفسطائية في نفى الحقائق ، وقطع الأسباب في الدين والعلائق ، لقد جار عن الحقّ سوفسطا ، ومال عن الطّريقة الوسطى ، ولقد اختصّ ما ذهب إليه بمذهبه ، وبعد عن الأسفار قطع غيهبه . وما فعل أصحاب الدّهر ، ومن قال بتدبير السنة والشّهر ، فيما نقل عنهم من الأقوال ، من قدم الأعيان وحدث الأحوال ، وبعضهم يقول بقدم الصفات ، وما ظفر ذو السقم بالمعافات . وأما فرق هذه الملّة ، فللتّقاطع مستحلّه ، يكفّر بعضها بعضا ، ويرى عداوته عليه فرضا ، وقد أمسكت كل طائفة منهم برئيس ، وعدت حسنا منه كل بئيس ، ولكلّ محاسن ومساو ، وقول ليس بمتساو ، وقلّ من يوجد على غير دين أبيه ، ومعلّمه وأقربيه ، وداء الناس في دينهم داء قديم ، ما صحّ معه من النّغل أديم ؛ ومن أوضع في المذاهب ، وقع في الغياهب ، أو أغرق في البحث عن الفرق ، لم ير ناجيا من الغرق ، أو نظر في الملل ، عثر على الزّلل ، وأشرف على اختلاف ، مؤدّ إلى إتلاف ، وهجم على رياض مرّة الثّمار ، منهجة للأعمار ، وموارد ماؤها أجاج ، والمسيغ لها مجّاج ، في العين الصحيحة عور ، وفي القناة الصّليبة خور ، يشقى بها الغامز والعاجم ، شقاء وافد البراجم ؛ فهل عند ضدّ أو ولىّ ، من نبأ جلىّ ، يحدّث عنه الرائد بما لقى ، ويمسك عمّا بقي ، يزيل دجى الشكوك والشّكاة ،